محمد حسين هيكل
88
حياة محمد ( ص )
الفصل الرّابع من الزواج إلى البعث صفة محمد - بناء المكيين الكعبة - حكم محمد بينهم في الحجر الأسود - حكماء قريش والوثنية - أبناء محمد وبناته - موت أبنائه - زواج بناته - ميل محمد للعزلة - تحنثه في حراء - الرؤيا الصادقة - أول الوحي . تزوج محمد من خديجة بعد أن أصدقها عشرين بكرة . وانتقل إلى بيتها ليبدأ وإياها صفحة جديدة من صفحات الحياة ، صفحة الزوجية والأبوّة ، وليبادلها من جانبه حبّ شاب في الخامسة والعشرين لم يعرف نزوات الشباب ولا طيشه ، ولا هو عرف هذا الحب الأهوج يبدأ كأنه الشعلة المتوهّجة لينطفئ من بعد ذلك سراجه ، وليرزق منها البنين والبنات ؛ فيحتسب ولديه القاسم وعبد اللّه الطاهر الطيب « 1 » بما يثير في نفسه لاعج الحزن والألم ، وتبقى له بناته وهو بهنّ البر والشفقة ، وهنّ له الإكرام والإعزاز الخالص . صفة محمد وكان محمد وسيم الطّلعة ، ربعة في الرجال ليس بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد ، ضخم الرأس ، ذا شعر رجل شديد سواده ، مبسوط الجبين فوق حاجبين سابغين منوّنين متّصلين ، واسع العينين أدعجهما ، تشوب بياضهما في الجوانب حمرة خفيفة وتزيد في قوة جاذبيتهما وذكاء نظرتهما أهداب طوال حوالك ، مستوى الأنف دقيقه ، مفلّج الأسنان ، كثّ اللحية ، طويل العنق جميله ، عريض الصدر رحب الساحتين ، أزهر اللون ، ششن الكفين والقدمين ( أي غليظهما ) ، يسير ملقيا جسمه إلى الأمام مسرع الخطو ثابته ، على ملامحه سيما التفكير والتأمل ، وفي نظرته سلطان الآمر الذي يخضع الناس لأمره . فلا عجب وتلك صفته أن نجمع خديجة بين حبه والإذعان له ، ولا عجب أن تعفيه من تدبير مالها لتقوم هي على هذا التدبير كدأبها من قبل ، وأن تدع له ما شاء من فسحة الوقت ليفكر وليتأمل . وأقام محمد وقد أغناه اللّه بزواج خديجة في ذروة من النسب وسعة من المال ، وأهل مكة جميعا ينظرون إليه نظرة غبطة وإكبار . وكان في شغل عن نظرتهم بما أسبغه اللّه عليه من فضله ، وبما يبشره به خصب خديجة من عقب صالح . لكن ذلك لم يصرفه عن الاختلاط بهم والأخذ معهم بنصيب في الحياة العامة على ما كان يفعل
--> ( 1 ) الذي عليه أكثر أهل النسب أن الأبناء الذكور للنبي صلى اللّه عليه وسلّم من خديجة اثنان : القاسم وعبد اللّه ، ويلقب بالطاهر وبالطيب . وقيل : إن أبناءه الذكور منها ثلاثة ، وقيل أربعة .